“تتقاسم جميع الجهات الفاعلة في المجال الإنساني المسؤولية عن ضمان تنفيذ الأنشطة في كل مجموعة ومجالات الاستجابة الإنسانية الأخرى من خلال ”منظور الحماية”. ويتحمل كل فريق من فرق العمل وقادة المجموعات مسؤولية ضمان ألا تؤدي الأنشطة المنفّذة في إطار مسؤوليتها المنوطة بها إلى التمييز أو الإساءة أو العنف أو الإهمال أو الاستغلال أو إدامتها”.[225] [226]
وتُوفّر معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي أساساً للمشاركة القائمة على المبادئ والحقوق في العمليات الإنسانية. تضع هذه الأطر القانونية الدولية الأساس القانوني لحماية الأفراد أثناء الأزمات، بينما تُتَرجم المبادئ الإنسانية هذه الالتزامات إلى ممارسة من خلال توجيه المساعدة الإنسانية بطريقة محايدة ومحايدة وإنسانية. تضمن هذه المجموعة المتجانسة من القواعد والمعايير مجتمعةً أن تتمسك الجهات الفاعلة في المجال الإنساني باحترام الكرامة الإنسانية وتجنب الضرر وتقديم المساعدة بطريقة تحترم وتعزز الحقوق والحماية المكفولة بموجب القانون الدولي. كما أن الالتزام بالمعايير المنصوص عليها في هذه الأطر قد يعمل أيضاً على تعزيز مصداقية وفعالية المنظمات الإنسانية غير الحكومية.
المبادئ الإنسانية هي الأسس الأخلاقية والتشغيلية للعمل الإنساني على مستوى العالم. وترد هذه المعايير في صكوك مثل قرار الجمعية العامةللأمم المتحدة رقم 46/182،[227] ومدونة قواعد السلوك للصليب الأحمر والمنظمات غير الحكومية،[228] ودليل اسفير،[229] والمعيار الإنساني الأساسي للجودة والمساءلة،[230] والصفقة الكبرى.[231] وتُكرّس هذه المبادئ الالتزام بالعمل بأكبر قدر ممكن من الحيادية، استناداً إلى الحاجة الإنسانية وحدها، لضمان تقديم المساعدة الإنسانية دون تمييز لجميع المحتاجين، واستيفاء العناصر الأساسية للإغاثة. إنّ الالتزام بهذه المبادئ يمكّن المنظمات الإنسانية من الحفاظ على إمكانية الوصول إلى السكان المتضررين، والحد من المخاطر التشغيلية، والحفاظ على الكرامة الإنسانية، والتعامل مع مختلف أصحاب المصلحة بطريقة مبدئية.[232]
في حين تُعد المبادئ الإنسانية عناصر أساسية مستقلة في العمل الإنساني، فإن الجهات الفاعلة في المجال الإنساني تتحمل في الوقت نفسه التزامات قد تتداخل مع أطر القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان.
هذه المبادئ الأساسية الأربعة – الإنسانية والحياد والنزاهة والاستقلالية – معروفة على نطاق واسع وتؤيدها الجمعية العامة للأمم المتحدة.[233]وهي تُوجّه الوكالات الإنسانية لمساعدة من هم في أمسّ الحاجة إلى المساعدة، وتسعى إلى حماية كرامة البشر الذين يعيشون في مِحنة وخطر شديدين وإعمالها:
- الإنسانية: في مساعدة ضحايا الحرب أو الكوارث الطبيعية، وحماية الحياة والصحة وضمان احترام البشر.[234]
- الحياد: البقاء على الحياد في الحرب أو الامتناع عن النزاع السياسي أو العرقي أو الديني أو الأيديولوجي.[235]
- عدم التحيّز: تقديم المساعدات بناءً على الحاجة فقط، مِن دون تمييز.[236]
- الاستقلال: الحفاظ على الاستقلال عن الأهداف السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها من الأهداف غير الإنسانية.[237]
يمكن لهذه المبادئ، من خلال توجيه العمل، أن تساعد الجهات الفاعلة الإنسانية على التعامل مع السياقات المعقدة والمتقلبة. وفي حين أنها موجودة بشكل مستقل عن الأطر الأخرى، قد تحتاج الجهات الفاعلة الإنسانية إلى احترام هذه المبادئ والتزاماتها بموجب معايير حقوق الإنسان وأطر القانون الدولي الإنساني في العمل الإنساني في آن واحد.[238]
إطار “عدم الإضرار”: #
ويشكل مبدأ “عدم الإضرار” إطاراً أخلاقياً أساسياً في العمل الإنساني، حيث يُقرّ بأن التدخلات الإنسانية قد تسبب ضرراً عن غير قصد حتى في حالة ما إذا كانت النية هي تقديم المساعدة.[239]ويقرّ هذا الإطار بأن المساعدات ليست محايدة في ظروف النزاع – فهي تصبح جزءاً من السياق ويمكن أن تقوّي الديناميكيات المحلية أو تضعفها.[240]
يتطلب الإطار من الجهات الفاعلة في المجال الإنساني ما يلي:
- إجراء تحليل سياقي شامل قبل التدخلات وفي أثنائها
- تحديدُ وتحليلُ:
- العوامل التي تقسم المجتمعات أو تخلق التوترات
- العناصر التي تربط المجتمعات وتدعم السلام
- كيف تتفاعل برامج المساعدات مع هذه العوامل
- تقييم آثار البرنامج باستمرار وتعديل التدخلات وفقاً لذلك.[241]
من خلال هذه المقاربة المنهجيّة، يمكن للمنظمات أن تتوقع بشكل أفضل العواقب السلبية المحتملة للمساعدات الإنسانية وتمنعها وتقلل من آثارها السلبية المحتملة مع تعظيم الآثار الإيجابية على المجتمعات المتضررة.[242]
إن تطبيق نهج “عدم الإضرار” على العمل في سوريا لا يتماشى فقط مع مسؤولية الجهات الفاعلة في المجال الإنساني عن احترام معايير القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي وتنفيذ تعزيز العناية الواجبة بحقوق الإنسان، بل إنه يضع المنظمات غير الحكومية الإنسانية في وضع أفضل لتقديم المساعدات بفعالية مع تجنُّب العواقب الضارة.
المُساءلة أمام السّكان المتضرّرين #
تعتبر المساءلة أمام السكان المتضررين – التي تُعرّف في السياقات الإنسانية على أنها “التزام نشط من قِبل الجهات الفاعلة في المجال الإنساني باستخدام السلطة بشكل مسؤول من خلال مراعاة الأشخاص الذين يسعون إلى مساعدتهم ومساءلتهم” – أنَّ التفاوت في السلطة بين الجهات المانحة والمستفيدين من المساعدات مشكلة يجب معالجتها.[243] وهي تستند إلى فكرة أن أولئك الذين يتلقون المساعدات الإنسانية أو يستفيدون منها يجب أن يضطلعوا بدور فعال في الطريقة التي تتم مساعدتهم بها، ضمن الحدود التي تفرضها حالة الطوارئ، ويجب أن يكونوا قادرين على الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم.
ومن الأمور المحورية في هذا الصدد، الإطار الجماعي للمساءلة أمام السكان المتضررين الذي وضعته اللجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات (IASC) لتوجيه الجهات الفاعلة الإنسانية لتنفيذ مبادئ المساءلة أمام السكان المتضررين عبر الدورات المختلفة لمشاريعها. وينصّ الإطار على أنه ينبغي للجهات الفاعلة في المجال الإنساني “البحث عن أصوات وأولويات المجتمعات المتضررة والاستماع إليها والعمل على أساسها”.[244]
تشمل العناصر الرئيسية للمساءلة أمام السكان المتضررين، من بين أمور أخرى، تمكين المشاركة الهادفة للمجتمعات المتضررة في عمليات صنع القرار، وتوفير معلومات شفافة وفي الوقت المناسب للمجتمعات، وجمع التعليقات من خلال آليات مُيسّرة الإتاحة.
في سوريا، يُعدّ تنفيذ مبادئ المساءلة أمام السكان المتضررين أمراً بالغ الأهمية نظراً للطبيعة المعقدة والممتدة للأزمة. يجب على المنظمات غير الحكومية الإنسانية أن تسعى جاهدة إلى دمج المساءلة أمام السكان المتضررين طوال دورات مشاريعها، وضمان أن يكون للسكان المتضررين صوت في القرارات التي تؤثر على حياتهم وأن يجري تقديم المساعدة بطريقة تحترم حقوقهم وكرامتهم.
[225] يعمل نظام تنسيق الشؤون الإنسانية في شمال غرب سوريا من خلال مجموعات متخصصة، تركّز كل منها على قطاعات محددة مثل الصحة والأمن الغذائي والحماية والمياه والصرف الصحي والنظافة والتعليم والمأوى. تقود كل مجموعة وكالات الأمم المتحدة المعينة أو المنظمات غير الحكومية الدولية التي تنسّق الاستجابة الإنسانية داخل قطاعاتها. على سبيل المثال، تقود منظمة الصحة العالمية عادة مجموعة الصحة، بينما تقود اليونيسف غالبًا مجموعات التعليم والمياه والصرف الصحي والنظافة الصحية. وتجتمع هذه المجموعات بانتظام لتنسيق الأنشطة وتبادل المعلومات وضمان تقديم الاستجابة الإنسانية الفعالة.
[226] الفريق العامل التابع للجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات، “التقرير المرحلي” (الفريق العامل التابع للجنة الدائمة المشتركة بين الوكالات لعام 2005).
[227] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 46/182، تعزيز تنسيق المساعدة الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة في حالات الطوارئ، (1991)، متاح على <https://www.unocha.org/sites/unocha/files/dms/Documents/120402_OOM-46182_eng.pdf >
[228] لمزيد من المعلومات: الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، مدوّنة قواعد السلوك للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والمنظمات غير الحكومية في الإغاثة في حالات الكوارث، (1994)، متاح على <https://www.ifrc.org/document/code-conduct-international-red-cross-and-red-crescent-movement-and-ngos-disaster-relief >
[229] لمزيد من المعلومات، انظر اسفير، دليل اسفير، (2018)، متاح على <https://spherestandards.org/handbook/ >
[230] لمزيد من المعلومات، انظر المعيار الإنساني الأساسي، المعيار الإنساني الأساسي بشأن الجودة والمساءلة، (2024)، متاح على<https://www.corehumanitarianstandard.org/_files/ugd/e57c40_f8ca250a7bd04282b4f2e4e810daf5fc.pd >
[231] لمزيد من المعلومات، انظر الصفقة الكبرى، الصفقة الكبرى (الموقع الرسمي)، متاح على <https://interagencystandingcommittee.org/grand-bargain >
[232] كيت ماكنتوش، مبادئ العمل الإنساني في القانون الإنساني الدولي، (2000)، متاح على <https://www.cmi.no/file/1865-The-Principles-of-Humanitarian-Action-in-International-Humanitarian-Law.pdf >
[233] مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 46/182، تعزيز تنسيق المساعدة الإنسانية التي تقدمها الأمم المتحدة في حالات الطوارئ، (1991)، متاح على <https://www.unocha.org/sites/unocha/files/dms/Documents/120402_OOM-46182_eng.pdf>؛ مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بشأن الرسالة: المبادئ الإنسانية، (2022)، متاح على <https://www.unocha.org/publications/report/world/ocha-message-humanitarian-principles-enar >
[234] اللجنة الدولية للصليب الأحمر، المبادئ الأساسية للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر، (2015)، متاح على <https://www.icrc.org/sites/default/files/topic/file_plus_list/4046-the_fundamental_principles_of_the_international_red_cross_and_red_crescent_movement.pdf >
[235] انظر، على سبيل المثال، هانز هوغ، “الحياد كمبدأ أساسي للصليب الأحمر” في الإنسانية للجميع: الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر ، (معهد هنري دونان/بول هاوبت للنشر، برن/شتوتغارت/فيينا، 1993) ص. 461-464.
[236] الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر، مدونة قواعد السلوك للحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر والمنظمات غير الحكومية في الإغاثة في حالات الكوارث، (1994)، متاح على <https://www.ifrc.org/document/code-conduct-international-red-cross-and-red-crescent-movement-and-ngos-disaster-relief >
[237] إي. دي. شينكنبرغ، “تحديات المساعدة الإنسانية القائمة على المبادئ”، (2016) 97، المجلة الدولية للصليب الأحمر، ص 295.
[238] يمكن أن يشكّل الالتزام بالمبادئ الإنسانيّة، ولا سيّما الحياديّة، تحدّياً في النّزاعات الّتي يجري فيها تسييس المساعدات الإنسانيّة وتحويلها إلى أداة للاستغلال. لمزيد من المعلومات، انظر: زينب معين، لين فؤاد وداستن بارتر، التنقل في الحياد والإغاثة والحقوق في إثيوبيا وميانمار وسوريا وغواتيمالا، (كانون الثاني/ يناير 2025)، متاح على <https://media.odi.org/documents/HPG_report-Trocaire_final_j3iyJap.pdf >
[239] ماري ب. أندرسون، عدم الإضرار: كيف يمكن للمساعدات أن تدعم السلام أو الحرب (لين رينر للنشر 1999).
[240] مشاريع التعلم التعاوني لمؤسسة تنمية المجتمع، إطار “عدم الإضرار” لتحليل تأثير المساعدة على النزاع: كُتيّب (2004) متاح على <https://www.cdacollaborative.org/wp-content/uploads/2016/01/The-Do-No-Harm-Framework-for-Analyzing-the-Impact-of-Assistance-on-Conflict-A-Handbook.pdf >
[241] ماري ب. أندرسون وبيتر ج. وودرو، النهوض من الرماد: استراتيجيات التنمية في أوقات الكوارث، (لين رينر للنشر 1998).
[242] مارشال والاس، من المبدأ إلى الممارسة: دليل المستخدم لعدم الإضرار، (2015)، متاح على <https://www.principletopractice.org/wordpress/from-principle-to-practice/ >
[243] المنظمة الدولية للهجرة، إطار المساءلة أمام السكان المتضررين، (2019)، متاحعلى<https://publications.iom.int/books/accountability-affected-populations-framework#:~:text=The%20Accountability%20Affected%20Populations,its%20Migration%20Crisis%20Operational%20Framework>
[244] اللجنة المشتركة بين الوكالات، اللجنة المشتركة بين الوكالات، متاح على < https://interagencystandingcommittee.org/the-inter-agency-standing-committee >