تُعدّ العناية الواجبة بحقوق الإنسان مسألةً بالغة الأهمية في العمليات الإنسانية في سوريا بسبب التفاعل المعقد بين حقائق النزاع وما بعد النزاع وتحديات الحوكمة ومشاركة الأطراف الفاعلة المتعددة. ونشأت هذه الظروف الحرجة من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان المرتكبة في سوريا، ومعظمها ارتكبتها الحكومة السورية السابقة، مع أنها ليست فقط الوحيدة التي ارتكبت الانتهاكات.[11] وقد أُعِدّت هذه الأداة في البداية لاستخدامها في شمال غرب سوريا – إحدى أكثر المناطق تضرراً في الصراع السوري، حيث تعمل مختلف الفصائل، بما في ذلك الجماعات المسلحة غير الحكومية، والجهات الفاعلة الدولية، وسلطات الأمر الواقع، في بيئة منقسمة. بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ديسمبر 2024، جرى تعديل النطاق الجغرافي والموضوعي لأداة العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان. إلى جانب التغييرات في الحوكمة، شهدت سوريا ما بعد الأسد تنافسات إقليمية جديدة تضم جهات فاعلة حكومية وغير حكومية، فضلاً عن تغيّر في مشاركة المنظمات غير الحكومية الدولية والمنظمات الدولية. وتمثل هذه الديناميات مخاطر كبيرة لانتهاكات حقوق الإنسان، مما يستلزم توخّي الحذر في تحديد المخاطر لضمان ألا تؤدي الجهود الإنسانية إلى تفاقم نقاط الضعف القائمة أو دعم مرتكبي الانتهاكات عن غير قصد.
أحد الأسباب الرئيسية لضرورة العناية الواجبة في مجال حقوق الإنسان هو التخفيف من مخاطر انتهاكات حقوق الإنسان في السياقات عالية المخاطر. لقد أعاد الانتقال السياسي بعد سقوط نظام الأسد رسم المشهد الإنساني في سوريا. وقد أتاحت الظروف الجديدة توحيد خريطة العمل الإنساني في جميع أنحاء البلاد، وزادت من إمكانية الوصول عن طريق إزالة الحواجز التي أقامتها خطوط النزاع، وسمحت للمنظمات الإنسانية بتوسيع عملياتها. من ناحية أخرى، نشأت تحديات جديدة أدت إلى تقييد العمليات الإنسانية. إذ تتّسم الحوكمة في مرحلة ما بعد النزاع بضعف كفاءة مؤسسات الحكومة المركزية، والعقبات البيروقراطية، والتأخير في إصدار التراخيص التنظيمية والتشغيلية، والقيود التمويلية، والظروف الأمنية غير المستقرة. وتميل الحكومة الانتقالية، وكذلك الجماعات والفصائل المسلحة، إلى التحكم بشكل متفاوت في الوصول إلى المساعدات الإنسانية، ومن دون إجراء العناية الواجبة المناسبة، هناك خطر من تحويل المساعدات لدعم هذه الجماعات، مما يؤدي إلى إطالة أمد النزاع أو المساهمة في ارتكاب المزيد من الانتهاكات. ويمكن أن تساعد العناية الواجبة بحقوق الإنسان المنظمات الإنسانية غير الحكومية على التعامل مع هذه الظروف المعقدة وضمان تنفيذ المشاريع الإنسانية بطريقة تتوافق قدر الإمكان مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان ومع معايير القانون الإنساني الدولي. ويتعلق جانب حاسم آخر من جوانب العناية الواجبة بحقوق الإنسان في سوريا بحماية المدنيين. إذ تضمُّ البلاد الملايين من النازحين الذين يواجهون مجموعة من المخاطر، بما في ذلك العنف المستهدِف والتهجير وعدم كفاية فرص الحصول على الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم.[12] ومن خلال تنفيذ العناية الواجبة بحقوق الإنسان، يمكن للمنظمات الإنسانية غير الحكومية تقييم المخاطر التي يتعرض لها هؤلاء السكان الضعفاء بشكل أفضل وتكييف تدخلاتها لتجنُّب المساهمة في المزيد من الضرر. ويشمل ذلك اتخاذ خطوات لضمان ألا يؤدي توزيع المساعدات إلى تعزيز الممارسات التمييزية أو تهميش مجتمعات معينة، خاصة في المناطق التي تشتد فيها التوترات العرقية أو الطائفية.
علاوة على ذلك، فإن العناية الواجبة بحقوق الإنسان ضرورية للحفاظ على حياد العمليات الإنسانية وشرعيّتها. في البيئات المتأثرة بالنزاع والمرتفعة المخاطر، غالباً ما يُنظر إلى المنظمات الإنسانية غير الحكومية بعين الريبة من قِبل أطراف النزاع، وتواجه في الوقت نفسه مستويات متفاوتة من الضغوطات من قِبل هذه السلطات للامتثال لسياساتها أو أجنداتها، أو المجتمعات المتضررة نفسها. لذا فإنّ وجود إطار عمل قوي للعناية الواجبة بحقوق الإنسان يتيح لهذه المنظمات إثبات أنّها تعمل وفقاً للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، مما يساعد على بناء الثقة مع المجتمعات المحلية ويقلل من مخاطر أن تصبح هي نفسها هدفاً للعنف. بالإضافة إلى ذلك، تساعد العناية الواجبة بحقوق الإنسان على ضمان المساءلة والشفافية، وهما أمران حاسمان في حالات الطوارئ المعقدة. وبالنظر إلى تعدد الجهات الفاعلة المشاركة في العمليات الإنسانية – من المنظمات غير الحكومية الدولية إلى الشركاء المحليين والمقاولين من القطاع الخاص – هناك حاجة إلى آليات رقابة قوية. تتضمن عمليات العناية الواجبة بحقوق الإنسان الرصد والتقييم والإبلاغ بصفة مستمرة، مما يضمن التزام جميع الجهات الفاعلة المعنية بمعايير حقوق الإنسان. هذا لا يحمي المستفيدين فحسب، بل يحمي أيضاً سمعة المنظمات الإنسانية غير الحكومية وقدرتها التشغيلية من خلال ضمان عدم ضلوعها في انتهاكات حقوق الإنسان.
[11] يرجع استخدام “الحكومة” في هذا التقرير، بدلاً من “النظام” في إشارة إلى نظام بشار الأسد في سوريا، إلى اعتبارات قانونية. ويؤكد مصطلح “الحكومة” على المسؤوليات القانونية للدولة ولا يشكّل تصريحاً سياسيًا أو يؤيّد موقفًا سياسيًا. وهو يسلّط الضوء على واجبات الدولة والتزاماتها بموجب القانون الدولي، بغضّ النظر عمّن يمارس وظائف الحكومة.
[12] بحلول تشرين الأول/ أكتوبر 2024، استضافت منطقة شمال غرب سوريا مليوني نازح داخلي يعيشون في المخيمات، من إجمالي عدد السكان الذي يزيد علي 5 ملايين. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، شمال غرب سوريا | تقرير الحالة (تشرين الأول/ أكتوبر 2024)، متاح على < https://reports.unocha.org/en/country/syria/ > eliefweb.int/report/syrian-arab-republic/north-west-syria-situation-report-18-october-2024-enar