لا تزال سوريا ما بعد الأسد بيئةً عالية المخاطر بالنسبة إلى المنظمات الإنسانية، بسبب تجزُّؤ الحوكمة، والصعوبات الاقتصادية، والتوترات المجتمعية التي لم تُحل. فالسلطة موزعة بين الحكومة المركزية والجهات الفاعلة المحلية والهيئات الانتقالية، مع ضعف الوضوح التنظيمي ومحدودية المساءلة. وهذا يخلق حالة من عدم اليقين القانوني، وقيوداً سياسية على الوصول، ومخاطر متزايدة بالتدخل في المساعدات أو تحويل مسارها أو استغلالها لأغراض أخرى. وفي الوقت نفسه، لا يزال الاقتصاد يعاني من عدم استقرار شديد؛ فالبنية التحتية المتضررة، وتقلّب سعر صرف العملة، وشبكات اقتصاد الحرب الراسخة، وسلاسل التوريد المشوهة، تجعل العمليات الإنسانية عُرضةً للتضخم ومخاطر الفساد والتلاعب بالسوق. وتزيد الانقسامات المجتمعية من تفاقم هذه المخاطر. فقد أدت سنوات من التهجير ومصادرة الممتلكات والتغيرات الديموغرافية إلى تعميق المظالم وإضعاف اللحمة الاجتماعية. وقد تؤدي حركات العودة إلى إثارة نزاعات حول حقوق السكن والأراضي والممتلكات، في حين أنّ التصورات المتعلقة بعدم المساواة في توزيع المساعدات يمكن أن تؤجّج التوترات المحلية.
وعلاوة على ذلك، شهد ما يزيد عن عقدٍ من النزاع المسلّح مزيجاً مدمراً من الفظائع والنزوح الجماعي، والتشرذم الجغرافي والسياسي، والتدخّل والاحتلال الأجنبيَّين، والكوارث الطبيعية، ما جعل ملايين السوريين يعتمدون على المساعدات الإنسانية من أجل البقاء على قيد الحياة بشكل أساسي، وهو ما يؤكد الدور الحاسم الذي تضطلع به الجهات الفاعلة في مجال الإغاثة في هذا السياق.[1] إلّا أن هذا السياق يزيد أيضاً من خطر حدوث انتهاكات واسعة النطاق لحقوق الإنسان.
وبالنظر إلى هذا المشهد المعقد، فإنّ اتّباع نهج مبدئي قائم على حقوق الإنسان في تقديم المساعدات الإنسانية يُعدّ ضرورة قانونية. ويمكن للعمليات الإنسانية أن تسهم عن غير قصد في انتهاكات حقوق الإنسان أو إطالة أمد أوضاع الضعف إذا لم تُجرَ تقييمات للمخاطر، مثل المخاطر القانونية والاجتماعية والبيئية، أو تُحلَّل بشكل مستمر. ويُقوّض نجاح العمليات الإنسانية انخفاضُ مستوى التخطيط الاستراتيجي العام، لا سيما من جانب الجهات المانحة لهذه العمليات. كما يواجه هذا النجاح تحديات بسبب الوجود المتزايد للبيروقراطية والتخطيط من جانب الحكومة الانتقالية. كذلك تفرض التغييرات في ديناميات القوة والتمويل للاستجابة الإنسانية في سوريا قيوداً على المشاريع المنفَّذة، ويمكن أن تزيد من المخاطر السلبية على حقوق الإنسان.[2] قد تنطوي الأضرار المحتملة التي تلحق بحقوق الإنسان للمجتمعات المتضررة على عواقب وخيمة ليس فقط على المدى القصير، بل على المدى المتوسط والطويل أيضاً.
ولضمان ألّا تؤدي العمليات الإنسانية إلى تفاقم الأضرار أو ديناميات النزاع عن غير قصد، فإن إدماج العناية الواجبة بحقوق الإنسان في جميع مراحل دورة المشروع أمر ضروري.[3] وقد صُممت الأداة في هذا التقرير من أجل دعم تعميم منظور حقوق الإنسان أثناء تخطيط المشاريع الإنسانية وتنفيذها، ومساعدة العاملين في المجال الإنساني في تقييمهم للآثار السلبية المحتملة على حقوق الإنسان في عملياتهم، وتزويدهم بفهم قويٍّ للقانون الدولي ولأطر حقوق الإنسان ذات الصلة بعملهم. وبذلك فإنها تُرشد المنظمات غير الحكومية الإنسانية من خلال تطبيق الأداة بشكل متزايد. ولا يُقصد من هذا التقييم الصارم لحقوق الإنسان فرض مزيد من القيود على الاستجابة الإنسانية المعقدة في سوريا، أو إضافة المزيد من المتطلبات إلى القوائم المرجعية الخاصة بالبرامج الإنسانية. بل إنه يسعى إلى دعم المنظمات غير الحكومية الإنسانية في ضمان احترام عملياتها لحقوق الإنسان، وفي تعزيز الدعم المقدم للمجتمعات المحلية. كما تهدف الأداة إلى تزويد المنظمات غير الحكومية الإنسانية بالمعرفة القانونية المطلوبة لتسهيل تطبيق العناية الواجبة بحقوق الإنسان خلال دورات مشاريعها. ويجدر التنويه إلى أن الإشارة إلى “حقوق الإنسان” في جميع أنحاء الوثيقة والأداة، لا تشير حصرياً إلى القانون الدوليّ لحقوق الإنسان. كما تتضمن الأداة الحماية والمحظورات بموجب أطر القانون الدولي ذات الصلة والمترابطة، ولا سيما القانون الدولي الإنساني.
[1] وفقاً لأرقام مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، يبلغ عدد المحتاجين 4.2 مليون شخص من أصل 5.1 مليون نسمة يعيشون في المنطقة. كما تستضيف المنطقة 3.5 مليون نازح، ومليون طفل خارج المدرسة. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، شمال غرب سوريا: تقرير الحالة، (تشرين الأول/أكتوبر 2024)، متاح على < https://www.unocha.org/publications/report/syrian-arab-republic/north-west-syria-situation-report-18-october-2024-enar# :~: text=Years% 20of % 20repeated % 20displacement,who%20suffer%20from%20severe%20disorders.
[2] وفقًا لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، كانت خطة الاستجابة الإنسانية لسوريا أقل من الثلث ممولة في تشرين الأول/أكتوبر 2024. مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، شمال غرب سوريا: خطة الاستجابة، (تشرين الأول/أكتوبر 2024)، متاح على < https://reports.unocha.org/en/country/syria/ >
[3] تنطوي العناية الواجبة المعزّزة بحقوق الإنسان على عملية صارمة لتحديد الآثار السلبية المحتملة والفعلية، ليس فقط على حقوق الإنسان، ولكن على سياق النزاع الأوسع ودينامياته أيضاً.